ابن عربي
89
كتاب الحجب
من قول اللّه لا من قول الملائكة فعلى الوجه الأول لما أفاقوا وزال الخطاب الإجمالي المشبه وزالت البديهة قالوا ما ذا فقال لهم ربكم وهو قوله قال ربكم فما صعقوا عند هذا القول بل ثبتوا وقالوا الحق أي قال ربنا القول الحق يعنون ما فهموه من الوحي أو قوله قال ربكم أو هما معا وهو الصحيح فهذا الفرق بين حال موسى عليه السلام وبين حال محمد صلى اللّه عليه وسلم وحال الملائكة عليهم السلام واعلم أن في هذا المنزل من العلوم علم ثناء الحق على نفسه بخلقه وهو المثنى على نفسه بغناه عن خلقه فأي الثناءين وما هو الحقيقة منهما أو كلاهما حقيقتان لحقين أو هما حقان ولهما حقيقتان وفيه علم الفرق بين العلم والحكمة والخبرة وفيه علم العلم بما في العالم بتقاسيم أحوالهم وفيه علم النيابة في الأجوبة عن اللّه ولا يكون ذلك إلا لرسول أو نبي أو وارث عن سماع لخطاب إلهي لا عن تجل ولا خطاب حال وفيه علم علم اللّه وفيه علم أين أودع اللّه علمه في خلقه من العوالم وهل أودعه في واحد أو فيما زاد على واحد وفيه علم بما ذا تتميز به القبضتان في عالم الشهادة وبما ذا تتميز في عالم الغيب وفيه علم الدلالة على العلماء وأصحاب الأخبار الإلهية لنعرفهم فنتلقى منهم ما يأتون به عن اللّه فنساويهم في العلم بذلك رغبة في أن تلحق نفوسنا بنفوسهم في الصورة وإن اختلفت الطرق فلا أثر لاختلافها في صورة العلم وهذا هو الذي يحرض الأكابر من العلماء الأكابر على نشر العلم كما يحرض المتعلمين على طلب العلم من أكابر العلماء الذين يعلمون أنهم أعلم باللّه منهم ومن هذا قال الرجل للتلميذ لأن ترى أبا يزيد مرة خير لك من أن ترى اللّه ألف مرة لفضله عليه في العلم باللّه لما علم أن ظهور الحق لعباده على قدر علمهم به فرؤيتنا اللّه بعلم العلماء به إذا استفدنا منهم أتم من رؤيتنا بعلمنا قبل أن نستفيده منهم وفيه علم إحاطة الاعتبار بالجهات وأن علم الاعتبار لا يخص حالا من حال ولا جهة من جهة وأنه علم عام وهو علم يعطى الدلالة لمن رجع إلى اللّه بالعبودية وفيه علم الأمر والنهي الإلهي بالمساعدة في العبادة وأعمال الخير وفيه علم إرسال النعم الخارقة وما يحجب منها وما ذا يحجب وفيه علم قوى المسخرات في التسخير وإلى أين تنتهي قواهم فيما سخروا فيه وفيه علم الموت المجهول في الميت وبما ذا يعرف كما حكى القشيري في رسالته عن بعضهم أنه مات إنسان فنظر إليه الغاسل فتحير فلم يدر أهو ميت أم ليس بميت وهو ميت في نفس الأمر ومثل هذا ظهر على صاحب لي كان يخدمني فمات عندي فشك فيه الغاسل